أبي بكر الكاشاني
384
بدائع الصنائع
تناولت الأصل والتبع جميعا فقد اجتمع في التبع وصيتان فيشتركان فيه ويسلم الأصل لصاحب الأصل وهذا حجة محمد رحمه الله تعالى في المسألة المتقدمة ولو أوصى بعبده لانسان ثم أوصى بخدمته لآخر ثم أوصى له بالعبد بعدما أوصى له بالخدمة أو أوصى بخاتمه لانسان ثم أوصى بفصه لآخر ثم أوصى له بالخاتم بعدما أوصى له بالفص أو أوصى بجاريته لانسان ثم أوصى بولدها لآخر ثم أوصى له بالجارية بعدما أوصى له بولدها فالأصل والتبع بينهما نصفان نصف العبد لهذا ونصفه للآخر ولهذا نصف خدمته وللآخر نصف خدمته وكذا في الجارية مع ولدها والخاتم مع الفص لان الوصية لأحدهما بالأصل وصية بالتبع ويبطل حكم الوصية بالتبع بانفراده وصار كأنه أوصى لكل واحد بالأصل والتبع نصا ولو كان كذلك لاشتركا في الأصل والتبع كذا هذا فإن كان أوصى للثاني بنصف العبد يقسم العبد بينهما أثلاثا وكان للثاني نصف الخدمة لأنه لما أوصى له بنصف العبد بطلت وصيته في خدمة ذلك النصف لدخولها تحت الوصية بنصف العبد وبقيت وصيته بالخدمة في النصف الآخر وذكر ابن سماعة ان أبا يوسف رجع عن هذا وقال إذا أوصى بالعبد لرجل وأوصى بخدمته لآخر ثم أوصى برقبة العبد أيضا لصاحب الخدمة فان العبد بينهما والخدمة كلها للموصى له بالخدمة لافراده بالوصية بالخدمة فوقع صحيحا فلا تبطل بالوصية بالرقبة فصار الموصى له الثاني موصى له بالرقبة والخدمة على الانفراد فيستحق نصف الرقبة لمساواته صاحبه في الوصية بها وينفرد بالوصية بالخدمة وقال لو أوصى لرجل بأمة تخرج من الثلث وأوصى لآخر بما في بطنها وأوصى بها أيضا للذي أوصى له بما في البطن فالأمة بينهما نصفان والولد كله للذي أوصى له به خاصة لا يشركه فيه صاحبه لما ذكرنا انهما تساويا في استحقاق الرقبة وانفرد صاحب الولد بالوصية به خاصة ولو أوصى بالدار لرجل وأوصى ببيت فيها بعينه لآخر فان البيت بينهما بالحصص وكذا لو أوصى بألف درهم بعينها لرجل وأوصى بمائة منها لآخر كان تسعمائة لصاحب الألف والمائة بينهما نصفان لان اسم الدار يتناول البيوت التي فيها بطريق الأصالة لا بطريق التبعية وكذا اسم الألف يتناول كل مائة منها بطريق الأصالة وكان كل واحد منهما أصلا في كونه موصى به فيكون بينهما وهذا مما لا خلاف فيه وإنما الخلاف في كيفية القسمة فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى على طريق المنازعة وعند أبي يوسف على طريق المضاربة فيقسم على أحد عشر لصاحب المائة جزء من أحد عشر في المائة ولصاحب الألف عشرة أجزاء في جميع الألف وكذلك الدار والبيت ولو أوصى ببيت بعينه لرجل وساحته لآخر كان البناء بينهما بالحصص لان البيت لا يسمى بيتا بدون البناء فكانت وصية الأول متناولة للبناء بطريق الأصالة فيشارك الموصى له بالساحة بخلاف الوصية بدار لانسان وببنائها لآخر انهما لا يشتركان في البناء بل تكون العرصة للموصى له بالدار والبناء لآخر لان اسم الدار لا يتناول البناء بطريق الأصالة بل بطريق التبعية إذ الدار اسم للعرصة في اللغة والبناء فيها تبع بدليل انها تسمى دارا بعد زوال البناء فكان دخول البناء في الوصية بالدار من طريق التبعية فكانت العرصة للأول والبناء للثاني والله تعالى اعلم ( واما ) الرجوع الثابت من طريق الضرورة فنوعان أحدهما ان يتصل بالعين الموصى به زيادة لا يمكن تسليم العين بدونها كما إذا أوصى بسويق ثم لته بالسمن لان الموصى به اتصل بما ليس بموصى به بحيث لا يمكن تسليمه بدونه لتعذر التمييز بينهما فثبت الرجوع ضرورة وكذا إذا وصى بدار ثم بنى فيها أو أوصى بقطن ثم حشاه جبة فيه أو أوصى ببطانة ثم بطن بها أو بظهارة ثم ظهر بها لأنه لا يمكن تسليم الموصى به الا بتسليم ما اتصل به ولا يمكن تسليمه الا بالنقض ولا سبيل إلى التكليف بالنقض لأنه تصرف في ملك نفسه فجعل رجوعا من طريق الضرورة ويمكن اثبات الرجوع في هذه المسائل من طريق الدلالة أيضا لان اتصال الموصى به بغيره حصل بصنع الموصى فكان تعدد التسليم مضافا إلى فعله وكان رجوعا منه دلالة والثاني أن يتغير الموصى به بحيث يزول معناه واسمه سواء كان التغيير إلى الزيادة أو إلى النقصان كما إذا أوصى لانسان بثمر هذا النخل ثم لم يمت الموصى حتى صار بسرا أو أوصى له بهذا البسر ثم صار رطبا أو أوصى بهذا العنب فصار زبيبا أو بهذا السنبل فصار حنطة أو بهذا القصيل فصار شعيرا أو بالحنطة المبذورة في